السيد محمد تقي المدرسي
310
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
على كل حال في الشّدة والرخاء السائحون وهم الصائمون ، الراكعون الساجدون وهم الذين يواظبون على الصلوات الخمس والحافظون لها والمحافظون عليها في ركوعها وسجودها وفي الخشوع فيها وفي أوقاتها ، الآمرون بالمعروف بعد ذلك ، والعاملون به والناهون عن المنكر والمنتهون عنه . قال : فبشر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة . ثم أخبر تبارك وتعالى أنه لم يأمر بالقتال إلّا أصحاب هذه الشروط ، فقال عز وجل : اذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ اخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلآَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ . المؤمنون هم ورثة الأرض : وذلك أن جميع ما بين السماء والأرض لله عز وجل ، ولرسوله صلى الله عليه وآله ، ولأتباعهم من المؤمنين من أهل هذه الصفّة . فما كان عن الدنيا في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار من أهل الخلاف لرسول الله صلى الله عليه وآله والمولي عن طاعتهما مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات وغلبوهم على ما أفاء الله على رسوله ، فهو حقّهم أفاء الله عليهم وردّه إليهم . وإنما كان معنى الفيء كل ما صار إلى المشركين ثمّ رجع مما كان غلب عليه أو فيه فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل فقد فاء مثل قول الله عز وجل : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي رجعوا . ثم قال : وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وقال : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ أي ترجع فَإِن فَآءَتْ أي رجعت فَاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالعدل وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني بقوله تفيء ترجع . فذلك الدليل على أن الفيء كل راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه ، ويقال للشمس إذا زالت قد فائت الشمس حين يفيء الفيء عند رجوع الشمس إلى زوالها ، وكذلك ما أفاء الله على المؤمنين من الكفار فإنما هي حقوق المؤمنين رجعت إليهم بعد ظلم الكفار إياهم ، فذلك قوله : اذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِانَّهُمْ ظُلِمُوا . ما كان المؤمنون أحق به منهم ، وإنما اذن للمؤمنين الذين قاموا بشرائط الايمان التي وصفناها ، وذلك أنه